الأخبار المحلية

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 53 صمت الروح..!!

:

​▪️ يتسرب النزوح الخفي على مهل إلى أعماق نفوسنا، ليغرس طعنات لا تشبه أبداً دمار الحوائط والجدران، إذ ينقلب الإنسان إلى جسد مسكون برماد الذكريات وهلع الآتي المجهول، لتغرق روحه في هواجس تقضم باقيه من الطمأنينة بلا هوادة ودون توقف في هذا الليل الطويل.
​▪️ تذوق أهلنا النازحون فور لجوئهم للولايات الآمنة مرارة شظف العيش، ووعورة الطرق، وشقاء التنقيب المضني عن ركن يلم شعث العائلات، ليصطدموا أحياناً بجفاء قلة من أهل الدار وتوجسهم الفظ، متناسين فداحة الفجيعة وقسوة الأقدار التي ساقت هؤلاء نحو الفرار نحو المجهول.
​▪️ وجد أساتذة الجامعات، وأقلام الصحافة، وكبار الموظفين بالقطاعين العام والخاص أنفسهم بين عشية وضحاها مضطرين لارتياد المهن الهامشية الشاقة؛ كفرش البسط، والعتالة، وبيع الشاي، والكد اليومي المرير، فقط لتأمين لقمة عيش نظيفة تصون كرامتهم وترفض الانحناء أو التسول في شوارع الغربة القاسية.
​▪️ تجرع الوافدون مرارة النظرة القاصرة لبعض سكان تلك المدن، ممن عاملوهم باستعلاء بغيض وتعالي مجتمعي أعمى، غافلين عن حقيقة أن الدنيا ددارة، وأن أهوال الحرب لا تستثني أصحاب المقامات العالية ولا الهامات المرفوعة والخبرات الوطنية التي كانت ملء السمع والبصر في كل محفل.
​▪️ وسط هذه العتمة والوحشة، انبثقت أنوار النخوة الإنسانية الأصيلة، فهبت بيوتات كريمة لتفتح مصاريع دورها بلا منّ، وأسست مجتمعات طيبة تكايا دافئة للوافدين، يتقاسمون معهم كسرة الخبز وغطاء النوم وكل تفاصيل العيش بشراكة روحية خالصة تعيد للروح ألقها وتخفف وقع الفجيعة المؤلمة.
​▪️ خلال نزوحي المتعدد، صادفت زملاء إعلاميين اتجهوا لأعمال هامشية لسد رمق أسرهم بعفاف؛ فمنهم من فتح متجراً مصغراً على قارعة السوق كالزميل الصحفي عبود عبد الرحيم في مدينة عطبرة قبل لجوءه وأسرته إلى مصر، والزميل الإعلامي عبد العليم مخاوي الذي عمل حمال درداقة في سوق كوستي، أما أنا فقد امتهنت خلال نزوحي التجارة في الجزيرة ثم بيع الخضار في مدينة دنقلا قبل العودة إلى بلاط صاحبة الجلالة.
​▪️ أكاديميون ونجوم مجتمع رأيتهم وعايشتهم وهم يمتهنون تلك الأعمال كإفراز حتمي لهذه الحرب، حتى الفنانون لم يسلموا من ذلك، وتقف حالة الفنان عماد أحمد الطيب شاهداً حياً على هذا الواقع المرير الذي طال رموز الإبداع والوجدان.
​▪️ تُترك الصحة النفسية للنازحين في زحمة الموت والجوع بلا مبالاة، باعتبارها ترفاً لا مكان له في دفاتر الطوارئ، متغافلين عن حقيقة ساطعة تؤكد أن انكسار النفس والعقل هو المدخل الحقيقي لتداعيات الجسد وعجز الإنسان التام عن الصمود والمقاومة ومواصلة الطريق وسط ركام الخراب والدمار.
​▪️ تتكشف أوزار الصدمات العميقة في هيئة عصبية حادة لا تطاق، وتوجس دائم من كل محيط، وانكفاء الأطفال داخل عوالم مظلمة من الرعب الصامت، بينما يقف المجتمع عاجزاً عن فهم هذا التحول الجذري والمفجع في طبائع صغاره وكباره على حد سواء دون إيجاد مخرج حقيقي.
​▪️ شكل غياب مراكز الإرشاد النفسي والوطني وصمة مؤسسية فادحة في جسد واقعنا الصحي المتهالك، فمدن النزوح خلت تماماً من أي برامج علمية منضبطة لانتشال الآلاف من أتون الصدمات المتراكمة التي أثقلت أرواح النساء والأطفال والرجال ممن عاينوا الأهوال القاسية وفقدوا الدار والأهل.
​▪️ كانت أقسى سنوات النزوح هي الأعوام الثلاثة الأولى؛ خاصة عام 2023 الذي عانى فيه النازحون معاناة ليست بعدها معاناة، ثم تلاه العام 2024، ومع دخول العام 2025 بدأت الانفراجة تلوح في الأفق مع تقدم الجيش وطرده ودحره للمليشيا من ولايات سنار والجزيرة والخرطوم.
​▪️ خلال تلك الاعوام الشداد فرض ضيق الخيام وغرف الإيواء المزدحمة واقعاً ضاغطاً غذي الاحتكاك العصبي المستمر، ليتحول الشجار اللفظي والتوتر الخفي إلى سمة يومية داخل العائلة الواحدة، ناقلاً جبهة الحرب المستعرة من الميدان الخارجي إلى صميم الأسرة المكلومة التي باتت تبحث عن بقعة هدوء مفقودة.
​▪️ ذابت الأمنيات الصغيرة تدريجياً أمام طاحونة البقاء اليومي وقسوته، وانزوي طموح الإنسان نحو الإبداع والعطاء ليقتصر هدفه البيولوجي البحت على عبور النهار بسلام، متجنباً أي هزة عصبية جديدة قد تجهز على ما تبقى في جعبته من طاقة واهية لا تقوى على الاحتمال.
​▪️ كانت دائرة الخوف تتسع يوماً بعد آخر لتطوق الآتي كله؛ رعباً من الغد، وهلعاً من ساعة العودة المشتهاة، وقهراً من إطالة أمد المنفى، في حلقة مفرغة عزلت الإنسان عن حاضره وجعلته رهينة لدائرة مغلقة من الهواجس والأفكار القاتلة التي استنزفت روحه ببطء شديد وموجع.
​▪️ تختتم هذه الوقفة بنداء جاد وصادق لفك طلاسم الصمت حول أرواح المتعبين، وتدشين مظلة إنسانية متكاملة تحمي ما تبقى من عقل ووجدان شعب أثخنته طعون الغدر والشتات، كي لا يتحول الوطن الجميل إلى مقبرة كبرى لأحياء بلا أرواح تائهين بين ركام الذاكرة ومرارة الواقع المعايش اليوم.

نواصل

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى